تابعونا على فيسبوك

مطاردة هاتفية! / د. أشرف الراعي

سبت, 25/04/2026 - 22:48

دخلتُ إلى صفحة إلكترونية أبحث فيها عن برامج ما بعد الدكتوراه في بريطانيا. اهتمام أكاديمي مشروع، لا يتجاوز حدود الفضول العلمي.

 

لكن منذ تلك اللحظة، بدأ فصل آخر لم يكن في الحسبان: سيل من الاتصالات الهاتفية المتكررة، من أرقام مختلفة، تحمل عناوين براقة عن "دكتوراه مهنية" و "برامج دولية"، بينما مضمونها لا يخرج عن تسويق عشوائي يفتقر إلى أدنى درجات المهنية.

 

الاتصالات لا تتوقف، تتغير أوقاتها بشكل مزعج، تمتد إلى ساعات متأخرة من الليل، ومع كل محاولة لحظر رقم، يظهر رقم جديد. نمط متكرر يكشف بوضوح أن المسألة منظومة منظمة تعتمد على تداول البيانات واستغلالها دون ضوابط.

 

المشكلة هنا ليست في الإزعاج فقط، بل في الكيفية التي وصلت بها هذه الجهات إلى بياناتي الشخصية. مجرد زيارة موقع أو التفاعل مع محتوى رقمي أصبح كافياً لفتح الباب أمام استخدام غير مشروع للمعلومات، في ظل غياب رقابة فعالة على تداول البيانات، خاصة عندما تنتقل خارج الحدود الجغرافية.

 

هذا النوع من التسويق لا يضر فقط بالأفراد، بل يضرب مصداقية القطاع التعليمي نفسه. حين تتحول برامج الدكتوراه إلى مادة لاتصالات عشوائية، تفقد قيمتها الأكاديمية، وتُختزل في عروض ترويجية تفتقر إلى الشفافية. الأسوأ من ذلك، أن هذه الممارسات تخلق بيئة خصبة لانتشار برامج وهمية أو غير معترف بها، تستهدف الباحثين الجادين وتستغل طموحاتهم.

 

في السياق القانوني، يمثل هذا السلوك انتهاكاً لمبدأ حماية البيانات الشخصية، الذي أصبح ركيزة أساسية في التشريعات الحديثة. استخدام رقم الهاتف لأغراض تسويقية دون موافقة واضحة، والاتصال المتكرر رغم الرفض، يدخل ضمن ما يُعرف بالتسويق المباشر غير المرغوب فيه، وهو مجال يحتاج إلى تنظيم أكثر صرامة، خاصة في البيئات التي تشهد توسعاً رقمياً.

 

التحدي الأكبر يكمن في الطبيعة العابرة للحدود لهذه الممارسات. جهات تعمل من الخارج، تستخدم أرقاماً متغيرة، وتستفيد من أن ملاحقتها القانونية معقدة. في هذه الحالة، يجد الفرد نفسه في مواجهة مباشرة مع ظاهرة أكبر من قدرته على التعامل الفردي معها.

 

الحلول الفردية تبقى محدودة: حظر الأرقام، استخدام تطبيقات كشف المتصلين، تجنب مشاركة البيانات في مواقع غير موثوقة. لكنها حلول تخفف الأثر ولا تعالج الجذر. المطلوب هو تحرك أوسع، يبدأ من تطوير تشريعات أكثر فاعلية، ويمتد إلى تعاون إقليمي لضبط تسويق الخدمات التعليمية، ووضع معايير واضحة تمنع استغلال البيانات تحت أي غطاء.

 

ما حدث معي ويحدث مع غيري مؤشر على خلل حقيقي في إدارة الفضاء الرقمي. حين يصبح البحث عن فرصة أكاديمية مدخلاً لانتهاك الخصوصية، تصبح المسألة أبعد من تجربة شخصية، وأقرب إلى قضية تستحق الوقوف عندها بجدية. ولكن الحلول في هذا السياق ربما تبدو بعيدة من دون توعية فاعلة!

 

اتصل بنا

هاتف : 26004443 - 32755522  - 49144570  البريد الإلكتروني : [email protected]