تابعونا على فيسبوك

الإمارات في مرآة الأزمات: دولة تصنع الطمأنينة في زمن الخوف / السالك البناني

أربعاء, 13/05/2026 - 23:36

في لحظات الشدّة تُختبر معادن الدول، لا بما تملكه من عتادٍ وعدّة فحسب، بل بما تزرعه في قلوب من يعيشون على أرضها من ثقةٍ وطمأنينة. وحين تعصف الأزمات، تتكشّف الحقائق الكبرى التي لا تصنعها الشعارات، بل تؤسسها المواقف الراسخة والسياسات الرشيدة. 

ولعلّ ما شهدته دولة الإمارات العربية المتحدة إبّان العدوان الإيراني الغاشم، كان مثالاً ناصعاً على هذه الحقيقة التي لا تقبل الالتباس.

فقد سارعت دول عدة، على نحو مفهوم في سياق التوترات، إلى تنظيم رحلات لإجلاء رعاياها، في إجراءٍ ينسجم مع مقتضيات الحذر وضرورات السلامة. غير أن المشهد الذي استوقف المراقبين، وأعاد تعريف معاني الانتماء خارج الأطر التقليدية، كان إصرار السواد الأعظم من المقيمين على البقاء في أرض الإمارات، رافضين مغادرتها رغم ما أُشيع من مخاطر وما خيّم من تهديدات.

لم يكن ذلك الموقف ضرباً من المجازفة، ولا استهانة بالخطر، بل كان تعبيراً عميقاً عن ثقةٍ راسخة في دولةٍ أثبتت، عبر مسيرتها، أنها لا تدّخر جهداً في صون الإنسان وحماية مكتسباته. ثقةٌ في قيادةٍ عرفت كيف تدير الأزمات بحكمة، وتُحسن قراءة اللحظة، وتوازن بين الحزم والطمأنينة، حتى بات الأمن فيها حالةً معيشة لا شعاراً مرفوعاً.

وخلال تلك الأيام، تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي إلى مرآة صادقة لهذه الثقة؛ رسائل متبادلة بين المقيمين وذويهم في شتى بقاع الأرض، تنبض بطمأنينة لافتة، وتفيض بإحساسٍ عالٍ بالأمان. لم يكن المقيمون يكتفون بنفي الخوف، بل كانوا يؤكدون، بعبارات تلقائية صادقة، أن الإمارات لم تعد مجرد محطة عمل أو إقامة عابرة، بل صارت وطناً ثانياً، يحتضنهم بكرامة، ويمنحهم شعوراً بالانتماء لا تخلقه المصالح وحدها.

لقد بدا واضحاً أن ما جرى لم يكن انفعالاً عاطفياً عابراً، سرعان ما ينقضي بزوال الحدث، بل كان تعبيراً عن رصيدٍ متراكم من الثقة، بُني على مدى سنوات من السياسات القائمة على التسامح، والتعايش، واحترام الإنسان كقيمة عليا لا تُختزل في جنسية أو خلفية. وهو ما جعل العلاقة بين الدولة والمقيمين تتجاوز حدود القانون إلى فضاءٍ أرحب من المودة والوفاء المتبادل.

إن قوة الدول، في معناها الأعمق، لا تُقاس فقط بما تمتلكه من أسلحةٍ متطورة أو اقتصاداتٍ عملاقة، وإن كان ذلك من ضرورات البقاء، بل تُقاس أيضاً – وربما أساساً – بقدرتها على بناء جسور الثقة بينها وبين من يعيشون في كنفها. فالثقة هي الحصن الحقيقي الذي لا تُفلّه العواصف، وهي الرصيد الذي يُستدعى في أوقات المحن، فيحسم المواقف ويُرجّح الكفّة.

واليوم، تقدّم الإمارات للعالم درساً بليغاً مفاده أن الأوطان التي تبني الإنسان بصدق، وتُعلي من كرامته، وتؤسس علاقتها به على الاحترام والعدل، هي أوطانٌ عصيّة على الاهتزاز، مهما اشتدّت العواصف من حولها. ففي قلب كل مقيمٍ اختار البقاء، كانت هناك حكاية ثقة، وفي كل رسالة طمأنينة، كان هناك دليلٌ حيّ على أن الإمارات لم تكسب فقط إعجاب العالم، بل كسبت – وهو الأهم – محبته وولاءه الصادق.

اتصل بنا

هاتف : 26004443 - 32755522  - 49144570  البريد الإلكتروني : [email protected]