
في اللحظات التي تتكشّف فيها محاولات العبث بأمن الدول، يتقدّم المعنى الحقيقي للسياسة الرشيدة بوصفها توازنًا دقيقًا بين الانفتاح والحزم.
ما أعلنته الجهات المختصة في دولة الإمارات من تفكيك تنظيم يستهدف استقرار البلاد ليس حدثًا معزولًا، بل تجسيدٌ لنهج ثابت يقوم على الاستباق، وعلى إدراكٍ عميق بأن التهديدات الحديثة لا تُرى دائمًا في العلن، بل تنمو في الظلال، وتتخفّى خلف شعارات ناعمة قبل أن تنقلب أدوات تخريب.
لقد رسّخت الإمارات نموذجًا عالميًا في التسامح، غير أن هذا التسامح ليس تفويضًا مفتوحًا لمن يسيء توظيفه، ولا مساحة رخوة تتسلّل منها الأجندات الهدّامة. التسامح في هذا السياق قوةٌ منضبطة تُمنح لمن يحترم قواعد العيش المشترك، ويصون وحدة المجتمع، ويعمل ضمن إطار القانون. أمّا من يحاول استهداف الدولة أو التشكيك في استقرارها أو بناء شبكات موازية لولاءات خارجية، فإن التعامل معه يكون بالحزم الذي يحفظ الكيان ويصون السلم المجتمعي.
والسِّلم الذي تتبناه الدولة ليس استسلامًا ولا تعبيرًا عن ضعف، بل هو ذروة الفعل السياسي الواعي. هو اختيار استراتيجي يجعل من الاستقرار قاعدةً للتنمية، ومن الاعتدال بوابةً للحضور الدولي المؤثر. بهذا المعنى، يتحوّل السلم إلى أداة سيادة، تُدار بها التوازنات، وتُصان بها المصالح، وتُبنى عبرها المكانة العالمية.
في هذا الإطار تتجلّى دلالة العبارة التي عبّر بها صاحب السمو: «لحمنا غليظ ومر»، بما تحمله من رسالة سيادية واضحة؛ انفتاح بلا تفريط، وتسامح بلا تهاون، وقوة تردع كل من يختبر حدود هذا الوطن. إنها صيغة مكثّفة لوعي الدولة بذاتها، وقدرتها على حماية نموذجها دون أن تنغلق، وعلى الانخراط في العالم دون أن تُستباح.
الجهود التي تبذلها الأجهزة الأمنية تعكس احترافية عالية ومنهجًا استباقيًا قائمًا على الرصد والتحليل والتفكيك قبل وقوع الخطر. هي مؤسسات تعمل في صمت، وتنجح في صون الفضاء العام، وتنقية المشهد من كل ما يهدّد السكينة والاستقرار، وتلاحق كل نشاط يستهدف أمن البلاد ومصالحها، مواطنين ومقيمين.
هذا المشهد يضع الجميع أمام مسؤولية واعية؛ أن يكون الانتماء ممارسةً يومية، وأن يتحوّل الوعي إلى خط دفاع أول، وأن تتكامل الثقة بين المجتمع ومؤسساته. فالوطن الذي يصنع الأمن يصونه أبناؤه والمقيمون على أرضه، كلٌّ في موقعه، وكلٌّ في دائرة تأثيره.
كلنا عيونٌ ساهرة، وكلنا حماة لهذا الوطن الذي اختار السلم طريقًا، وجعل من الحزم ضمانةً لبقائه واستقراره.
د محمد البشاري

.jpg)
