تابعونا على فيسبوك

موريتانيا وفضيلة التوازن السياسي / السالك البناني

جمعة, 27/02/2026 - 02:58

إن مقاربة موريتانيا لملف الصحراء الغربية لم تكن يوماً وليدة انفعال عابر أو استجابة لضغوط ظرفية، بل جاءت ثمرة قراءة هادئة لطبيعة هذا النزاع الذي ظل زمناً طويلاً خارج أفق الحسم النهائي. فالدولة الموريتانية اختارت منذ وقت مبكر أن تقف على مسافة متوازنة من الأطراف، سواء تعلق الأمر بـالمغرب أو بما يسمى بـجبهة البوليساريو، إدراكاً منها أن الانخراط العاطفي في صراع مركّب لن يضيف إلى رصيدها سوى مزيد من الأعباء السياسية والأمنية.

لقد كان الخيار الموريتاني في هذا الملف خيار دولة تعرف حدود تأثيرها كما تعرف مجالها الحيوي، فامتنعت عن تحويل النزاع إلى منصة للرهانات الأيديولوجية أو ساحة لتمجيد المشاريع السياسية المستوردة. وموريتانيا، وهي تنظر إلى محيطها الجغرافي، لا تسعى إلى استمداد شرعيتها من أي خطاب إقليمي، لأن الدولة التي تدرك قيمة نفسها لا تبحث عن موقعها بين ظلال الصراعات، بل تصنع حضورها بهدوء وثقة واستقلال قرار.

أما الرهانات الداخلية التي تحاول إضفاء طابع تاريخي أو نهضوي على بعض الحركات السياسية في هذا النزاع، فهي قراءة تتجاهل أن الصراعات الدولية لا تُحسم بالخطابات الرمزية ولا بالمشاعر الأيديولوجية، بل تخضع في المقام الأول لتوازنات القوة وحسابات المصالح المتشابكة بين الفاعلين. وموريتانيا، بما تملكه من خبرة تاريخية في إدارة تعقيدات الجوار، لا ترى في الانحياز العاطفي لأي طرف سوى باب مفتوح على توترات لا تحتاجها في مسيرتها التنموية والأمنية.

إن السياسة الدولية في هذا العصر تميل إلى البراغماتية الصارمة أكثر من ميلها إلى الخطابات الرومانسية التي تحاول إضفاء قداسة سياسية على صراعات معقدة. ولذلك فإن التعويل على تحولات دراماتيكية في مسار النزاع، سواء عبر الضغوط الدبلوماسية أو عبر الحراك الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية اليوم، قد يبالغ في تقدير القدرة الفعلية على كسر حالة الجمود التي تراكمت عبر عقود طويلة من المفاوضات غير الحاسمة.

إن التجربة التاريخية لهذا الملف تشير بوضوح إلى أن موجات التفاؤل المتكررة كثيراً ما كانت تنتهي إلى إعادة إنتاج الأزمة بدل تجاوزها، لأن كل طرف يدخل إلى طاولة التفاوض وهو متمسك بسقف مطالب يصعب تخفيضه بسهولة. ومن ثم فإن الحديث عن حل قريب ونهائي يظل أقرب إلى الأمنيات السياسية منه إلى التوقعات الواقعية.

وفي المحصلة، تبدو المصلحة الموريتانية أكثر انسجاماً مع استمرار نهج الحياد الإيجابي الذي يحفظ للدولة استقلال قرارها ويجنّبها الانزلاق إلى ساحات صراع لا تمتلك مفاتيح حسمها. فالدول العاقلة لا تبني استقرارها على رهانات غير مؤكدة، بل على رؤية استراتيجية تقوم على الهدوء السياسي، وحماية الأمن الوطني، وصون السيادة في عالم لا يحترم إلا القوة المتزنة والحضور الرصين.

اتصل بنا

هاتف : 26004443 - 32755522  - 49144570  البريد الإلكتروني : [email protected]