
لم يكن وزير الخارجية الموريتاني مجرد مسؤول عابر في مؤسسة تقليدية بل كان مهندس إعادة التموضع الدبلوماسي لموريتانيا حيث نجح في تحويل الخارجية من واجهة تمثيل بروتوكولي إلى أداة سيادة فاعلة تدار بعقل الدولة لا بمنطق المجاملة.
على مدى سنوات ظلت الدبلوماسية الموريتانية حاضرة أكثر مما هي مؤثرة متزنة أكثر مما هي مبادرة محافظة أكثر مما هي فاعلة لكن معالي الوزير محمد سالم ولد مرزوك بدأ التحول الهادئ والعميق
تحول في الرؤية قبل المواقف وفي المنهج قبل الخطاب وفي تعريف المصلحة الوطنية ذاتها.
لقد أدرك وزير الخارجية الدكتور محمد سالم ولد مرزوك أن موقع موريتانيا الجغرافي والسياسي ليس عبئا يجب التحايل عليه بل ورقة استراتيجية يجب استثمارها.
فموريتانيا ليست هامشا في معادلات الساحل ولا طرفا ثانويا في إفريقيا ولا مجرد رقم في الحسابات العربية بل دولة ذات خصوصية قادرة على بناء علاقات متوازنة دون ارتهان وحضور دولي دون ضجيج.
ومن هذا الفهم أعاد الرجل صياغة منطق العلاقات الخارجية على أساس الندية الهادئة.. لا قطيعة مجانية ولا تبعية صامتة ولا انخراطا بلا حساب.
علاقات تدار ببرودة الأعصاب لكن بوضوح المصالح.
شراكات تبنى على الاحترام المتبادل لا على لغة الإملاءات أو الاستقواء.
كما نجح في إعادة الاعتبار للدبلوماسية كامتداد مباشر للسيادة الوطنية لا كمساحة رمادية للتوفيق بين الضغوط.
فكان الحضور الموريتاني أكثر اتساقا في المحافل الدولية وأكثر وضوحا في القضايا الإقليمية وأكثر توازنا في إدارة التناقضات الدولية خاصة في بيئة عالمية مضطربة تتآكل فيها الحدود بين الصداقة والضغط.
الأهم من ذلك أن وزارة الخارجية في عهده لم تعد مؤسسة ردود أفعال بل تحولت إلى فاعل استباقي يقرأ التحولات قبل أن تفرض نفسها ويتحرك ضمن رؤية الدولة لا تحت ضغط اللحظة.
وهو ما أعاد لموريتانيا صورتها كدولة عاقلة يمكن الوثوق بمواقفها حتى وإن لم تكن دائما صاخبة.
إن ما يميز تجربة وزير الخارجية الموريتاني معالي الدكتور محمد سالم ولد مرزوك ليس الخطاب بحد ذاته بل النتائج الصامتة وليس الحضور الإعلامي الرائع بل تراكم المصداقية. وهذا بالضبط ما تحتاجه الدول الصغيرة-الكبيرة… دبلوماسية لا تبحث عن التصفيق بل عن تثبيت المكانة.
في زمن تتهاوى فيه سيادات كثيرة تحت ضغط المال أو الخوف أو الاستقطاب نجح وزير الخارجية الموريتاني الدكتور محمد سالم ولد مرزوك في تقديم نموذج مختلف: دبلوماسية هادئة واثقة تعرف ماذا تريد وتعرف أكثر ماذا لا تريد.
وهكذا لم يعد الحديث عن الخارجية الموريتانية حديثا عن مؤسسة تقليدية بل عن أداة دولة وعن رجل فهم أن السيادة لا ترفع في الشعارات بل تدار في التفاصيل.
بادو ولد محمد فال

.jpg)
