تابعونا على فيسبوك

تحصين الدستور يعني أن الماضي يصادر حق المستقبل/ عالي محمد ولد أبنو

اثنين, 05/01/2026 - 13:55

ليس الدستور نصا منزلا، ولا وصية أبدية يفرضها جيل سابق على الأجيال اللاحقة، بل هو في جوهره عقد اجتماعي مؤقت، وتعبير عن توازنات لحظة تاريخية بعينها، يفترض فيه أن يظل قابلا للمراجعة كلما تغيرت الشروط التي وُلد في ظلها.

ومن هذا المنطلق، فإن تحصين بعض مواد الدستور ضد أي تعديل مستقبلي لا يعبر عن حكمة سياسية بقدر ما يكشف عن نزعة وصاية، وعن دكتاتورية مؤجلة يمارسها السابق على اللاحق.

كل جيل يملك، بحكم كونه حيا وفاعلا، حق تقرير مصيره السياسي، واختيار شكل نظامه، وتحديد قواعد حكمه وفق ما يراه مناسبا لواقعه وظروفه.

وعندما يُقال لجيل ما: "لا يحق لك تعديل هذه المواد مهما تغيرت الظروف"، فإن الرسالة الضمنية تكون واضحة؛ وهي أن جيلا سابقا قرر أن يجعل من نفسه وصيا دائما على المستقبل، وصادر من الأجيال اللاحقة حقَّها الطبيعي في الاختيار، بل جعل الميت يتحكم في الحي.

وهذا يتناقض جوهريا مع أبسط المبادئ الديمقراطية التي تقوم على أن السلطة تنبع من تصويت الشعب الموجود لا من تصويت الشعب المفقود ، وأن الشرعية تُستمد من قرار الجماهير الحاضرة لا من قرار الجماهير الغابرة.

فتحصين مواد الدستور هو، في جوهره، تجميد للتاريخ والواقع معا.

فالمجتمعات لا تقف ساكنة؛ إنها تتغير ديموغرافيا، وحضاريا، واقتصاديا، ومعرفيا. تتبدل القيم، وتتوسع آفاق الوعي، وتظهر تحديات جديدة لم تكن مطروحة أصلا عند صياغة النصوص الأولى.

فمعنى التحصين هو أن رؤية جيل بعينه أفضل من رؤية الأجيال اللاحقة عليه وصالحة إلى الأبد، وأن تصوراته السياسية والأخلاقية تمثل نهاية التاريخ، وهو افتراض لا يستقيم لا مع العلم ولا مع الواقع.

الأخطر من ذلك أن تحصين المواد الدستورية يحول الدستور من أداة تنظيم مدني إلى نص شبه مقدّس؛

فبالتحصين يُمنع النقاش، يُجرّم الاختلاف، ويُشيطن الإصلاح. وهكذا يفقد الدستور طبيعته كعقد اجتماعي قابل للمراجعة والتطوير، ويتحول إلى نص جامد، متعال على الإرادة الشعبية، ومفروض عليها باسم الثوابت.

وعند هذه النقطة تحديدا، لا تكون الديمقراطية قد سقطت بانقلاب عسكري أو استبداد فج، بل تكون قد انتحرت عبر أدواتها القانونية نفسها.

إن تحصين مواد من الدستور ليس فعل ثقة في الشعب، بل تعبير عن خوف منه؛

ليس حماية للمستقبل، بل تحكم فيه؛

وليس ضمانة للاستقرار، بل تأجيلا للصدام.

وبالمختصر، فإن كل تحصين لا يعترف بحق الأجيال في المراجعة، وفي إعادة تعريف قواعد حكمها، وفي تقرير مصيرها السياسي بحرية، هو شكل من أشكال الاستبداد المؤجل، مهما تجمل بلغة القانون أو تزين بشعارات الاستقرار و الحفاظ على الدولة.

فالدولة التي تخاف من أبنائها في المستقبل، لا تحمي نفسها، بل تحفر أساس هشاشتها بيدها.

اتصل بنا

هاتف : 26004443 - 32755522    البريد الإلكتروني : ‫[email protected]