
ليس من نافلة القول إن الدعوة إلى الحوار، حين تصدر عن رأس الدولة، لا تُقرأ بوصفها إجراءً عابرًا أو مناورة ظرفية، وإنما تُستقبل باعتبارها اعترافًا صريحًا بأن في الجسد الوطني نقائص مؤجلة، وملفاتٍ أُغلقت على عجل دون أن تُسوّى، ومشكلاتٍ أُحيلت إلى الزمن بدل أن يُحتكم فيها إلى العقل والحكمة.
وقد بدا جليًّا أن فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، وهو يطلق دعوته إلى الحوار، إنما ينطلق من إحساس عميق بثقل المسؤولية، واستشعارٍ لضرورة الالتفات إلى ما تراكم من قضايا وطنية عالقة، لا تستقيم معها مسيرة التنمية، ولا يهدأ معها وجدان الدولة. فالحوار في هذا السياق ليس ترفًا سياسيًا، ولا استجابة لضغط عابر، بل هو محاولة لإعادة ترتيب البيت الوطني، وتسوية ما أمكن من الملفات التي ظلت مفتوحة أو أُغلقت دون علاج ناجع.
ولعلّ ما يضفي على هذه المبادرة وزنها السياسي والأخلاقي، هو ما أحاطها به رئيس الجمهورية من حرص على إزالة العوائق، وتهيئة المناخ، وكأن الرسالة المضمَرة تقول: إن عربة التنمية لا يمكن أن تسير على سكة الإقصاء، ولا أن تبلغ غاياتها في مناخ الصدام والتجاذب، وإنما تحتاج إلى حدٍّ أدنى من الوفاق، والتشاور، والإشراك، حتى تكون السياسات العمومية نتاج عقل جماعي، لا قرارًا منفردًا معزولًا عن محيطه.
غير أن أهمية الفكرة، وسمو المقصد، لا يعفيان من طرح السؤال الجوهري: من يحاور من؟ وباسم من؟ وبأي رصيد من الثقة؟
فالحوار، وإن كان في أصله أداة نبيلة، قد ينقلب إلى عبءٍ سياسي، إذا تولاه من لا يملكون شرعية تمثيل، ولا ثقة شعبية، ولا سجلًا متماسكًا من المواقف.
إن المسؤولية الملقاة على عاتق المتحاورين اليوم ليست مسؤولية آنية أو فنية، بل هي مسؤولية تمس ماضي بلد بأكمله ومستقبله. وحين يغيب عنصر الثقة، يصبح الحوار عرضة للتشكيك في نواياه، والارتياب في مخرجاته، بل ويتحول في نظر الرأي العام إلى ضربٍ من التطفل على صلاحيات المجتمع، وتجاوزٍ لإرادته، مهما حسنت الشعارات، أو كثرت البيانات. فالحوار الذي لا يتمتع أطرافه بثقة الناس، هو حوار يفتقر إلى المشروعية، وإن اكتسى لبوس الوطنية. فمعلوم أن مخرجات أي حوار لا يمكن أن تكون أوسع ولا أعمق من دائرة حضوره.
إن الحوار الوطني، إن أُريد له أن يكون حوارًا بحق، لا بد أن يجلس إليه الشعب بممثليه كافة، لا ممثلين لأنفسهم ولا ناطقين باسم طموحاتهم الشخصية. حوار لا يُشرك القاعدة الشعبية، ولا يستحضر قوى المجتمع الحقيقية، إنما هو مجلس ضيق يُدار فيه الكلام حول الوطن لا مع الوطن.
فلا بد أن تُفتح أبواب الحوار أمام القادة والوجهاء، والعلماء المشهود لهم بالصدق والورع، بالإضافة إلى الشخصيات السامية من رؤساء سابقين، ووزراء أول سابقين، وقادة عسكريين كبار نالوا حقهم في التقاعد.
فهؤلاء، بما يملكونه من ثقة في أوساط الناس، قادرون على ردم الهوة بين الدولة والمجتمع، وعلى إضفاء بعدٍ أخلاقي طالما افتقدته الحوارات الشكلية. ويدركون ـ أكثر من غيرهم ـ كلفة الخطأ حين يُرتكب باسم الوطن.
ولو قُدّر للحوار أن يجمع هذه الأطياف، لخرجنا بتجربة عميقة، ومخرجات تخدم الوطن والمواطن، لا أفرادًا يسعون إلى إعادة تدوير حضورهم السياسي. أما الوجوه الحالية التي تتصدر المشهد، فإنها ـ في غالبها ـ لا تضيف بعدًا تصالحيًا، ولا رؤية اقتصادية، ولا خبرة إدارية، ولا تملك في جعبتها ما يوضع على طاولة الحوار، سوى مرايا لتلميع الذات، وسلالم للتسلق على القضايا الوطنية، وهي قضايا يجدر بها أن تبقى عصيّة على هذه الحركات الصبيانية، وأرفع من أن تُستعمل وقودًا لطموحات شخصية قصيرة النفس.

.jpg)
