تابعونا على فيسبوك

لكويرة.. عنوان الحكمة الموريتانية المغربية في مواجهة رهانات التوتر

خميس, 15/10/2026 - 10:49

في سجل العلاقات بين الأمم المتجاورة، قلّما يُكتب فصلٌ يجمع بين الحزم في صون السيادة والتروي في حفظ الجوار، كما كُتب في ملف «لكويرة»، تلك النقطة الجغرافية الدقيقة التي تقع على الطرف الغربي من شبه جزيرة رأس نواذيبو، محاذيةً للعاصمة الاقتصادية الموريتانية، وقد شاءت الأقدار أن تكون محكّاً لصبر القيادات وحكمتها أكثر مما كانت سبباً في الفرقة.

 

لقد مرّ هذا الملف بمراحل متعاقبة، بدأت منذ انسحاب الإدارة الإسبانية 1975 ثم دحر مقاتلي جبهة البوليساريو من قبل الجيش الموريتاني وبسط السيطرة إداريا وعسكريا على كامل تراب "لكويرة" لتصبح المنطقة تابعة لمدينة نواذيبو ديسمبر 1975 مروراً بالترتيبات التي أعقبت اتفاقات مدريد 1975_1976 ثم بانسحاب موريتانيا من المطالب الترابية في الصحراء الغربية سنة 1979، وفي تلك المرحلة الحساسة، وفي خضم توسع السيطرة المغربية إلى المناطق التي انسحبت منها موريتانيا، أبدى جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله، ثم من بعده جلالة الملك محمد السادس، قدراً عالياً من البصيرة، إذ لم يُجعل من لكورة مطيةً لإثارة التوتر، بل تُرك الأمر في إطار يراعي مقتضيات الأمن الموريتاني وحماية مدينة نواذيبو. وكان هذا التروي تعبيراً عن حرص عميق على متانة الروابط الثنائية، وإدراكاً بأن إن العلاقات الموريتانية المغربية تظل أكبر من أن تختزلها قضية جغرافية، مهما بلغت حساسيتها.

 

ثم جاء موقف السلطات الموريتانية، إذ آثرت في بعض المحطات إخلاء المنطقة و ضبط الوجود العسكري فيها بما يحفظ السكينة العامة، لا عن ضعفٍ أو تفريط، بل عن بادرة حسن نية جوار، وحرصٍ على ألا تُتخذ تلك البقعة ذريعةً لمن يريدون إشعال الفتنة. وبذلك قُطع الطريق أمام الجهات المغرضة وأصحاب النوايا الخبيثة، الذين كانوا يأملون أن يجعلوا من لكورة مغرزاً في خاصرة الجارين الشقيقين، يحركونه لزعزعة الأمن والاستقرار بغية انزلاق المنطقة إلى مواجهات غير محسوبة.

 

إن ما أبداه الجانبان من حكمة وتروٍّ يجعل من تعاملهما مع هذا الملف نموذجاً يُحتذى في إدارة بؤر التوتر. فكل المساعي التي بُذلت في سبيل اصطدام السلطات الموريتانية بالسلطات المغربية قد تكسّرت على صخرة العقل والروية. ولم تُفلح التحركات الاستفزازية التي يقوم بها بعض عناصر البوليساريو، مدعومين من جهات معروفة وغير خافية على أحد، في زعزعة الثقة المتبادلة أو في جرّ البلدين إلى مواجهة لا تخدم سوى خصوم الاستقرار.

 

وليست هذه المرة الأولى التي يُدفع فيها بموضوع "لكورة" إلى الواجهة بغية توتير الأجواء، ولن تكون الأخيرة. فهناك من يحاول القفز على حقيقة امتداد العلاقات الموريتانية المغربية تاريخيا واجتماعيا وثقافيا وأهمية المصالح الاقتصادية والأمنية المتبادلة بينهما سعيا إلى دق إسفين الشقاق والفرقة وإشعال فتيل التوتر في المنطقة غير أن سلطات البلدين الشقيقين تظل في يقظة دائمة، مدركةً أن المؤامرات الدنيئة لا تُقهر إلا بالوعي المشترك والحرص على المصالح العليا للشعبين الشقيقين.

 

وهكذا يبقى ملف لكورة شاهداً على أن الجغرافيا قد تضع الدول أمام اختبارات دقيقة، لكنها لا تحكم عليها بالخصومة الدائمة. فالحكمة السياسية قادرة على تحويل النقاط الحساسة إلى مساحات للتفاهم، متى توفرت الإرادة الصادقة، وحضر الإدراك بأن المصالح المشتركة أرسخ من الحسابات العابرة، وأن استقرار الجوار ليس منّة يقدمها طرف لآخر، بل مصلحة متبادلة تفرضها حقائق التاريخ والجغرافيا.

السالك بناني خالد

 

اتصل بنا

هاتف : 26004443 - 32755522  - 49144570  البريد الإلكتروني : [email protected]